كتب كريم أبو ضاحي على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
في مثل هذا اليوم من العام الماضي كان يوم جمعة، ذهب أطفالي صباحا لمطعم زهران واشتروا الفول والفلافل، كعادتنا يوم الجمعة، يجب أن تحتوي سفرة إفطارنا على الفول والفلافل، كنت سعيدا لأن أبنائي كبروا وأصبحوا يذهبون وحدهم للمطعم، كان يوما عاديا هادئا، لم يكن يوحي بشيء مختلف. ذهبت بعدها لبيت والدتي وتناولنا القهوة، كان يروق لأمي دائما تصوير البحر، هي تسكن في الطابق العاشر، مشهد البحر من شرفتها كان كقطعة من الجنة، وأمازحها كعادتي قائلا: كان لازم تشتغلي مصورة.
أخبرتها أن تنزل بعد ساعتين لنتناول الغذاء سويا، ملوخية ودجاج سوف أشتريه جاهزا من مطعم الجرجاوي" دجاج الشواية الذي لا يضاهيه طعم".
تناولنا الغذاء وكان شهيا، لم أشعر حينها أيضا أن هذا الغذاء سوف يبقى علامة خالدة.
مساء الجمعة أخبرني كنان أنه يريد أن يعود غدا السبت من مدرسته هو وبيسان ليجد ساندويش فاهيتا من مطعم الأمير، حيث كان مؤخرا يعشق هذا الساندويش.
صباح السبت، فتحت عيني لأجد ابنتي بيسان تقول لي: بابا في أصوات صواريخ لكني سوف أذهب أنا وكنان للمدرسة، قلت لها إصبري لأعلم ماذا يجري، فتحت التلفاز لأحاول فهم ما يجري، بدأت الأخبار ترشح تباعا، قلت لأطفالي أن يبدلوا ثياب المدرسة، أخذت حقيبتنا الجاهزة التي تحوي أوراقنا وشهادتنا المهمة ووضعتها على طاولة السفرة، لنأخذها معنا في حال تركنا المنزل.
وبالمناسبة لا أدرك عدد المرات التي وضعت فيها تلك الحقيبة على طاولة السفرة في الصالون، مرات كثيرة فعلت ذلك، لكن بدا لي أن هذه المرة ستكون مختلفة.
بعد يومين فقط، خرجت أنا وأمي وزوجتي وأطفالي من المنزل ولم نعد.
طار البيت في الهواء، طار أيضا الشارع المؤدي للبيت، ولم أفي بوعدي بإحضار الفاهيتا لكنان، حيث رحل المطعم أيضا. مدرسة أطفالي أيضا أصبحت من الماضي، ولن تصور أمي البحر مرة أخرى، ولن نشتري الفول من زهران، حيث انضم مطعمه لقائمة ذكرياتنا المفقودة، عرفنا حينها أننا في يوم الجمعة كنا نودع كل شيء دون أن نعلم، كان يوما وداعيا للبيت، البحر، الشارع، لرؤية أطفالي بثياب المدرسة، ولكل شيء في غزة.