رسائل من غزة

أرشيف خاص

كيف يعيش الآباء بعدما يموت الأبناء؟

الكاتب

نور الهدى النبيه

المكان

غير معروف

تاريخ الحدث

2024-10-19

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتبت نور الهدى النبيه والدة الطفلين الشهيدين "رشا العرعير" و"أحمد العرعير" على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

يتساءل الكثير كيف يعيش الآباء بعدما يموت الأبناء؟

قد يتراءى للجميع أنهم يكملون حياتهم ويتابعون أعمالهم، ويقومون بواجباتهم، ويمارسون حقوقهم

هم راضون بقضاء الله وقدره، ولكن حياتهم بدون روح، فعندما يكونون بمفردهم تتزاحم الذكريات لديهم وتتساقط الدمعات دون توقف.

فكيف إذا كان الأبناء طفلين بريئين كأحمد ورشا، عصفورين لم يرتكبا إثما بإذن الله يملكان مرح الأطفال وقت اللعب، وصفات الجد والاجتهاد وقت الحاجة.

المشاعر التي أشعر بها الآن لا توصف أبدا، أحاول جاهدة كتابة بعض الأسطر مع أنها كثيرة تلك الكلمات والجمل التي تصف أحمد ورشا، إلا أنني عاجزة عن الكتابة.

أتذكر يوم المجزرة رأيت أحمد معلقا من الطابق الثاني لم أستوعب المشهد إلا والرجال يحملونه ويركضون به نحو سيارة الإسعاف عرفته من شعره الذي يطير من نعومته، حاولت أن ألحق بهم ضربت على زجاج سيارة الاسعاف وأنا أصرخ: أنا أمه أنا أمه، سمحوا لي بالركوب،

طوال الطريق أحمد ممدد على السرير لم يتحرك، أراه ينزف من عينيه واذنيه وانفه، ومن جميع أنحاء جسده، أرى رأسه مفتوح وقد رأيت جمجمته، هل تتخيلون المشهد كم هو قاسي ومع ذلك قلت في نفسي كله بيتعالج بإذن الله، وصلنا المستشفى، حملوه سريعا ودخلوا به ووضعوه على السرير، كنت انتظر رد الدكتور بفارغ الصبر، نظر إلي وقال جملته "البقاء لله أدعوله بالرحمة"

لم أستوعب تراجعت خطوتين للخلف ثم توجهت نحو السرير واقتربت من رأسه وبدأت احدثه "حبيبي يما.. روحي أنت يا أحمد روح قلبي يما..

بدأت روحه تخرج أمامي يا الله أوهمت نفسي انه يتنفس ناديت الدكتور مرة أخرى ولكن قال لي ادعيله بالرحمة

اقتربت من خده قبلته وقبلت يده وبدأت أحدثه "أحمد حبيبي وروحي وعمري وأول فرحتي، الله يرضى عليك يما ويسهل عليك" فخرجت روحه مرة أخرى فاقتربت منه وحضنته فخرجت روحه بسلام.

هذا كله حدث وأنا أعتقد بأن رشا ما زالت حية، ذهبت أبحث عنها على جميع الأسرة في المشفى فلم أجدها، رأيت عمها فسألته أين رشا، أجابني ادعيلها الله يرحمها، يااا الله يا الله

طلبت منه أن أراها فرفض وقال (خلي صورتها حلوة بعقلك)

حملوها ببطانية وحملوا أحمد وذهبوا بهم إلى مكان الشهداء

لم أدري إلى أين أذهب ففي كل اتجاه يذهب قطعة من روحي ركضت إلى مكانهم، وضعوهم على الأرض فاقتربت منهم وطلبت رؤية رشا مرة أخرى وبعد إلحاح شديد تركوني أراها، اقتربت منها رفعت عن رأسها فلم أجده،

رشا كانت تحمل دماغا ذكية جدا كانت إذا جلست لتحفظ كانت تنهي الصفحة في أقل من ربع ساعة، وكنت أمازحها "والله لو إنك الشافعي"

هذه الدماغ لم تكن موجودة ولا يوجد أي من أعضاء الوجه سوى خدها الأيسر الذي كانت تطلب مني أن أقبله قبل ساعات من استشهادها "ماما بوسيني من هنا" وتشير إلى خدها

ولكن مع ذلك صورتها في عقلي هي الأجمل على الإطلاق، كنت ولا زلت حلوة بعيني وبعقلي يما، وسامحيني ما قدرت إني ما أبكي متل ما طلبتي بالوصية، بس والله يما بحاول أضحك متل ما كنتي تحكيلي "محلاكي وانتي بتضحكي دايما خليكي هيك"

الله يرضى عليكم ويسهل عليكم يا روح قلبي ومهجة حياتي

والله يجمعنا فيكم قريبا قريبا.

تاريخ النشر

2024-11-12

شارك