كتب د. سعيد محمد الكحلوت على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
كانَ عُمري سِتّةَ أعوامٍ حينَ انتقَلَتِ الأُسرةُ منْ مخيّمِ جباليا للسّكنِ في مشروعِ بيتِ لاهيا، ضِمنَ بَرنامجِ تحسينِ ظروفِ اللاجئينَ آنذاكَ.
ومُنذُ ذلكَ الوقتِ وأنا أعيشُ في بيتِ لاهيا أو "بيتِ الآلهةِ" كما تشيرُ بعضُ المراجعِ التاريخيّةِ.
بَلدةٌ صغيرةٌ بشارِعَيْنِ عُمومِيَّيْنِ وعشراتِ الشوارِعِ الفرعيّةِ الّتي تؤدّي إلى أحياءٍ كثيرةٍ وشوارِعَ فرعيّةٍ أكثرَ تهرُبُ بكَ منْ زحمةِ الأسفلتِ الطّارئةِ إلى رحابةِ الرّيفِ حيثُ مزارعُ الفراولةِ وحقولُ الخضراواتِ والأشجارُ العملاقةُ ضاربةٌ جذورُها في أرضٍ تشهدُ على ارتباطِ الجغرافيا بالتاريخِ البعيدِ جدّاً.
أعرِفُ مَثلاً شَجرةَ جُميزٍ يقولُ أهلُ الحَيِّ إنّ عمرَها يزيدُ عنْ سبعِمائةِ عامٍ.
تحفظُ ذاكرةُ جِذعِها العملاقِ تفاصيلَ ملامحِ وجوهِ الفلاحينَ الطّيبينَ الّذينَ قطفوا من فروعِها الحبَّ الأحمرَ الشّهيَّ.
تحفظُ أجيالاً من الصّبيّةِ وتعرِفُ جيّداً وَقعَ الخطواتِ الغريبةِ وتخافُ جدّاً من دبيبِ أقدامِ الغُزاةِ وأزيزِ محرّكاتِ عرباتِهم العسكريّةِ الّتي تَحومُ حولَها.
ذاتَ حُبٍ أخذَتْ لي صُورةً مُستنداً إلى تاريخٍ عَميقٍ. ابتسمَتِ الشجرةُ فابتسمتُ أنا. تحسّستُ فرعاً كبيراً ومضيتُ أَحفَظُ الصُّورةَ في قلبي أوّلاً وفي قلبي ثانياً وثالثاً. يا أُمّنا الشّجرةَ عليكِ السّلامُ! أَلا زِلتِ بخيرٍ وتذكرينَ الصُّورةَ فعلاً وفاعلاً؟!
منْ تَفرُّعٍ منْ شارِعٍ عامٍ إلى شارِعٍ ترابيٍّ ثمّ ترابيٍّ آخرَ يضيقُ ويضيقُ حتّى يتصدَّرَ بيتٌ منْ طينٍ يأخذُ شكلَ كُوخٍ، كأنّكَ تسيرُ على سَجّادةٍ بلونِ التّرابِ تنتهي بكَ إلى عَرشٍ هو ذاكَ الكُوخُ.
كنتُ أَسندُ ظهري على جُدرانه الغارقةِ في هيبةِ الماضي فأستنشقُ الذّكرياتِ عِطراً.
منْ بنى هذا البيتَ؟! كم مرّةً تبدّلَ أصحابُهُ؟! كمْ سَلاماً وشوقاً وقُبلةً استقرّت في أروقتِه الباردةِ؟! كمْ حكايةً روَتها جَدّةٌ وكمْ جدّةٌ كانتْ طفلةً ثمّ روتِ الحكايةَ لجدةٍ أخرى كانت طفلةً؟!
أَتُرى الكوخُ ما زالَ قائماً أم أنّه كبيتي صارَ رُكاماً؟!
أينَ تسكنُ يا سعيدُ؟ في بيتِ لاهيا. فيحتجُّ أصدقائي ويعتذِرونَ عن زيارتي، فالبلدةُ بعيدةٌ أقصى الشّمالِ.
أَلم تفكّرْ في السّكنِ في غزّةَ المدينةِ؟ يسألني أصدقاءٌ، ويردفونَ "كلُّ أعمالِكَ هنا."
بالطّبع أفكّرُ أنْ أسكنَ في ريفِ بيتِ لاهيا. قبلَ الحربِ فقط بأيامٍ، أيامٍ فقط، كنتُ أبحثُ عنْ بيتٍ صغيرٍ لي شمالَ غربِ بيتِ لاهيا حيثُ الرّيفُ والبحرُ وأنا والطُّرقاتُ الّتي تحفظُني وأَحفظُها عنْ قلبِ حبٍّ.
ثمَّ ماذا أكملُ القصةَ...!! لا شيءَ، فقد اقتحمتِ الحربُ قصّتَنا وقالتْ كلمتَها وملعونةٌ كلُّ كلماتِ الحربِ.
قبلَ عامينِ منَ الحربِ في رمضانَ قمتُ بمغامرةٍ لاكتشافِ مساجدِ البلدةِ فكنتُ أتناولُ ما تيسّرَ منْ فطورٍ وأرتدي حذائيَ الرياضيَّ وأهيمُ في الطُّرقاتِ الفرعيّةِ شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وحبّاً وشوقاً. صلّيتُ في ثلاثينَ مسجداً، سَمِعتُ لهجاتٍ جديدةً وشاهدتُ في بعضِ الطُّرقاتِ الفرعيّةِ أطباقَ الطّعامِ تسيرُ من دارٍ لدارٍ وفي نهايةِ رمضانَ كانت رائحةُ الكعكِ تضوعُ منْ شرفاتِ المنازلِ القديمةِ البسيطةِ كبخورٍ يعطرُ المدى الواسعَ بالحبِّ، كنتُ أستنشقُ وأستنشقُ الرائحةَ وأردّدُ "بالزنبقِ امتلئ الهواءُ."
مرتْ سنةٌ كاملةٌ بعدَ أنْ حزمتُ ما استطعتُ انتشاله من أمتعةٍ من بين أنيابِ رُكامِ بيتي المقصوفِ، واستأجرتُ سيارةً وتوجّهتُ بها إلى رفحَ، وقد عادَ السّائقُ وحيداً بسيارةٍ فارغةٍ، فطرقاتُ النّزوحِ أُحاديةُ الوجهةِ. وقد حَملتْ منذُ ذلكَ الوقتِ لقبَ نازحٍ مع مرتبةِ التّشرّدِ الأولى.
سنةٌ كاملةٌ لم أسِرْ في طرقاتِ بيتِ لاهيا، سنةٌ كاملةٌ أواسي نفسي بما التقطتْ لها عدستي منْ صورٍ.. سنةٌ كاملةٌ وأنا أردد قصيدةَ "مدينةِ الحبِّ."
هل لا زالت الطُّرقاتُ تحفظُني أم أنّ جنازيرَ الدبّاباتِ حفرتْ في الرّملِ ذاكرةً جديدةً؟!
هل الأشجارُ القديمةُ باقيةٌ أمْ نالتْ منْ أغصانِها العاليةِ نارُ العدمِ؟!
ماذا عنْ مساجدِكِ؟! عن ميدانِكِ الأوّلِ والثاني؟ ماذا عنْ أهلكِ الطيّبينَ كمْ واحدٍ رحلَ وكمْ واحدٍ ارتحلَ وكمْ غريبٍ حلّ فيكِ واستحلّ؟!
السّلامُ عليكِ يا بيتَ لاهيا السّلامُ عليكِ يا شمالُ السّلامُ عليكِ يا غزّةُ. والسّلامُ على الجنوبِ الّذي استقرّ في الرّوحِ والقلبِ مرّةً أخرى. ولا سلامَ لعالمٍ لا يزرعُ في بلدي المنكوبِ السّلامَ.
د. سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة/فلسطين