رسائل من غزة

أرشيف خاص

186 يومًا من النزوح..

الكاتب

بيسان عبد الرحيم

المكان

دير البلح

تاريخ الحدث

2024-04-14

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتبت بيسان عبد الرحيم نتيل على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

14 أبريل 2024،
186 يوماً من النزوح مقابل 191 يوم من الحرب الاسرئيلية على قطاع غزة، لا أصابع يد تكفي لعد أيامنا، لا وقت ندونه في الغياب، ليصبح الانتظار أسوء عادتنا، وفي الانتظار لا ننتظر خبراً يخرج من راديو قديم بحاجة لتغيير بطاريته القديمة، لا ننتظر تحليلاً سياسياً يرتب فوضى من نحن الآن في بيت صديقتي الحسنات التي استقبلتنا أول أيام النزوح، ولا أنتظر أي حضن يقول لي أن كل ما حدث مجرد كابوس، وإنه عليا أن أطرد شياطيني لأعود إلى واقعي.
استيقظت اليوم هاربة من عد أيام النزوح، متجهة نحو كافتيريا "المعلقة" وسط دير البلح/البلد، محاولة البحث عن شبكة الإنترنت لإرسال بعض النصوص ومتابعة مهامي العملية، كافتريا وسط البلد على الطابق الأول تطل على زحمة النازحين أمثالي في الشارع، ومن جهة الأخرى مقبرة! في كل مرة أجلس أمامها أفكر كيف يمكن للإنسان أن يُطل على حقيقته وفي يده فنجان قهوة مطحونة من عجم البلح! لا طعم القهوة هي ذاتها، ولا الشبابيك تطل على شمس البلاد، ونحن في منتصف كل الأشياء عالقون أمام هويتنا لا نملك خيار العودة وغير قادرين على تحمل عواقب النزوح.
الساعة التاسعة والنصف تتصل صديقتي فداء لتخبرني عن مشهد من العيد، يحدث أمامها على طريق شارع بحر دير البلح، عودة نازحي الشمال في جنوب الوادي إلى قطاع غزة. تبادلنا وداعًا سريعًا ضاحكين على خبر نتمنى حقيقته، طالبة مني ألا أترك ورائي سوى كريم الترطيب!
إلهي إن كان هذا الخبر حقيقاً فأعد لي خطواتي،
سرعان ما انتشر الخبر في المكان، بينما بدأت الصحف الإخبارية تتداول الحدث المفاجىء لعودة النازحين" وسط قطاع غزة: أطفال ما دون 14 عامًا ونساء سمح لهم جيش الاحتلال بالعودة من جنوب القطاع إلى شماله هذا الصباح".
وفي لحظة العودة والبقاء، كنت قد امتلأتُ بأمل لا أعرفه، ظننت إنه مهما عاد سأكون أكثر برودةً، تاركة إياه عاري على الطرقات دون أن يرتديني. ظننت أنني تخلصت من مخزونه، وأنني بِعتُ آخرهُ لسيدةٍ ما في مخيمات النزوح! أو أنني تبرعت فيه لطفلة تبيع بسكوت بالتمر على البسطات!
حينها حدق بعينيه الكبيرتين كذئبٍ قطع صحراءه ليأكلني. أراه يمضغني، فاتألم من شدة الأمل!
حاولت الاتصال بِعائلتي لأعرف مدى صحة الأخبار، لم يكن الإرسال يساعدني على الوصول، دائماً ما تكون هناك مشاكل في الشبكة، عشر محاولات من التواصل مع عائلتي والاتصال بهم عبر الهاتف! حتى استطعت التواصل مع والدي الذي أخبرني انهُ سيتحرك وحدهُ نحو الشمال، منتظرني في الشارع.
خرجت من المكان بسرعة شديدة دون أن أودع مقبرتي، أو أن أعرف كيف لجسدي أن ينساب نحو البلاد! وبين إدراك خطورة ما أفعله وقدمي التي لا تتوقف عن السير نحو البلاد، كان الناس يتصلون على بعضهم البعض متجهين نحو الشمال، بينما البعض الآخر يوجه كلامه لي مباشرة أن النازحين عادوا إلى الشمال وإنه يجب عليَّ الرحيل الآن!
لم أكن أملك حينها سوى 100 شيكل ولابتوب العمل! مع دفاتر أحاول تدوين الوقت عليها وتجربتي مع النزوح خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. أكتبُ رسائلي وقصص النازحيين ومن مرّ عبر الممر الأمن.
يسألني والدي الذي هرولت إليه من كافتريا وسط دير البلح إن كنت احمل معي قطعة ملابس له! أخبرته أنني لم أكن أعرف أنه اليوم هو الرجوع ومن حسن حظي أنني أحمل هويتي بالأساس!
هل علينا أن نحمل في حقائبنا قطع الملابس استعداداً لأي عودة مفاجأة؟ أو نزوح؟
هل كتب علينا أن نحمل بيوتنا على ظهرنا لنجسد لوحة الفنان الفلسطيني سليمان منصور/ جمل المحامل في كل زمان!
المحطة الأولى،
رفضت أختي الصغيرة ميار توديعي، لتهور فعلنا في ظل صعوبة الأوضاع وعدم معرفة مصدر الأخبار للوثوق بها، بينما كانت تريد أن تأتي معنا ليطلب منها والدي البقاء مع والدتنا ففي حال وصلنا بسلام سنبلغهم بذلك ليتحركوا في وضع أكثر أمانًا.
استطعنا في محطتنا الخروج بسيارة، لتقسم أسرتنا لقسمين، الأول في دير البلح منتظر تسرع الآخر وتهوره، والثاني انا ووالدي نحاول العودة إلى ما تبقى لدينا في غزة! وفي الشارع انهمرت الاسئلة علينا، إلى أين؟ غزة؟ هل هناك أحد وصل البلاد؟ كيف ستذهبون؟ محاولين مثلنا معرفة حقيقة الخبر.
كيف كنا سنملك إجابة على كل تلك الأسئلة ونحن لا نملك سوى 100شيكل في المحفظة ؟ متجهون نحو دمار المدينة دون قطعة ملابس أو غذاء يكفي لطريق سنقطعهُ سيراً على الأقدام! كيف سنجيب سيدة نازحة في خيمة على الرصيف بأننا لا نملك سوى زجاجة ماء! وأن مثل هذه القرارات لم نفكر لثانية واحدة فيها، معتقدين أنه في حال عدم وصولنا سنندم لعدم محاولتنا في الذهاب!
خرجت بنا السيارة عن طريق البحر ووسط نازحين أمثالنا يسيرون على أقدامهم محاولين الوصول إلى الوادي، والكثير من كارات الحمير بعد أن أصبحت كارة الحمار وسيلة نقل ومواصلات معتمدة خلال فترة العدوان.
المحطة الثانية/ من يعرف البلاد يزحف إليها بروحه،
للحظة ما تعتقد ان كل ما يحدث معك ما هو إلا سيناريو في مسلسل درامي، السيدات يحملن حقائبهم، وأكياس الطحين الفارغة واضعين فيها بعض المعلبات وزجاجات المياه، الآباء يودعون أطفالهم ، بينما تلتف أيديهم الصغيرة حول ثياب الأمهات.
الأجداد لا يحملن شيء سوى ذاكرتهم التي اكتظت بمعنى اللجوء ليتبعه حروب أدت إلى نزوحهم نحو الخيام. يعرف الجد معنى ان يتكىء على أمله في الوصول إلى البلاد، ويعرف كيف لملح بحر البلاد أن يترسب في داخله ليشده نحوها دون أن يلتفت خلفه.
وأنا أعرف بحري، ملحي، غيمتي، لون السماء، وصوت الموج وأنه قد تكدست أصوات الرعب في أذني، أسمع صوتك خلفهم، يسحب روحي نحوه، فأعرف أنّي مازلت أسمع.
أرأيت! كم هي قريبة تلك المسافة؟ هي مسافة موت ليس إلا! عند وصولنا الوادي بدأت أتنفس بعد أن كان حبل المشنقة حول رقبتي يخنقني، بدأ رمل البحر يشبه لون بشرتي فعرفت أنني لست أحلم، أنا قريبة الآن من بيتي، أقصد ركام بيتي!
المحطة الثالثة،
في النزوح يمسك الغزي برواية الآخر، ليأخذنا الأمل، بعد أن وصلنا بعد الوادي عندما بدأنا نشم البلاد، ونرى آثار التدمير في كل مكان، حلقت الطائرات فوقنا بشكل مكثف لينتشر الرعب بيننا. فننتشل خوفنا بعد أن قطعنا الطريق، قام الاحتلال برمي قنابل صوت ثم الفسفور في مناطق متفرقة! قصف أراضي حولنا، صوت الرشاشات، وإصابات تخرج من حولنا متجهة نحو أقرب مستشفى في الجنوب.
مما جعلنا نعود، ليس خوفًا من الموت، بل من الإصابة، فموضوع الموت أسهل علينا من ان يصاب أحد منا ليعاني فوق كل تلك المعاناة.
المحطة الرابعة،
على الكاره تتصل إحدى السيدات بأولادها المحاصرين في غزة، لتخبرهم بأنها لم تستطع الدخول ووجود العديد من الإصابات وأنها تعتذر على طول المدة التي تركتهم فيها لوحدهم. مشاركة قصتها معنا، قائلة: “انا ولادي وجودي في غزة والله بستنوني أروح، كنت في الشفا بتعالج انا وابني هادا الصغير المقطوعة رجله، بعد ما انقصفنا في العمارة ونهال علينا كل الطوابق ضلينا احنا عايشين من 4 طوابق. كنت انا وابني بمستشفى الشفا بنتعالج، وأول حصار للشفاء قدرنا نطلع بمعجزة وبعدها تسكرت الطريق ما قدرنا نرجع على البلد، ضليت انا وابني الصغير في الجنوب وباقي أسرتي في غزة، كل يوم بتصلوا عليا ولادي يحكولي متى رح ترجعي"!
لم نرد شيئًا من البلاد، حملنا خوف أطفالنا على كتفنا وسرنا بكفننا نحوها، ونعرف آنها أحلى ما في الوجود،
أدركنا حقيقة موتنا فقبلنا بها كحياتنا، وقرأنا خط يد أجدادنا لتكن خارطتنا فأعدنا تشكيل جغرافية البلاد من كف الأجداد.
وأنا أخذني شال جدتي المتروك على سريري، آخر ما أملك من حقيقتي، حقيقة أنني لاجئة من عسقلان المجدل، البلاد التي انتظرها مازلت تنتظر عودتي ما بعد بعد الوادي.
عزيزي، أعرف انه من الجنون فعل كل ذلك، لكنك لا يمكنك ان تحكم عليا ما دمت خارج البلاد لا تعرف معنى ان تساق روحك نحوها، معنى ان تكون غير قادر على الخروج منها ولا البقاء فيها، تأخذك قدمك نحو أمل مبهم! أن تعود أو تخرج منها، هو لا منطق في كل ما يحدث الآن من استنفاذ أرواحنا، نحن العالقون في منتصف الأشياء لا نحب الحياد نريد أن نرى المشهد كاملاً لا أن نخرج منهُ قصراً.
عزيزي،
أعرف أن ما فعلته سيفسد سحابة أحلامنا، كل ما في الأمر إن الغيمة السوداء فوق مدينتي لا تتحرك! نعيق الغربان يأكل من أذني، لا صوت أسمعه سوى الانفجارات المتتالية! لك أن تتخيل أن صوتي الداخلي صوت انفجارات! هو خلاص واحد، علينا أن نتجرعه مرة واحدة، نحن مصابون يا عزيزي، مصابون في غربتنا، مصابون في النزوح، رغم محاولتنا النجاة والخروج من البلاد، مصابون بلعنة حب البلاد. وأنا أدرك تماماً أن لا عقلانية في القرارات الآن، بينما علينا ان نكون أكثر رتابة لنخرج أحياء، ولكن ما لا أعرفه ماذا بعد الآن؟
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2025-11-16

شارك