رسائل من غزة

أرشيف خاص

حكايات ناقصة (1)

الكاتب

يسرا الخطيب

المكان

النصيرات

تاريخ الحدث

2024-10-21

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتبت الكاتبة يسرا الخطيب على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

حكايات ناقصة

1

هذا التائه قابلته اليوم في السوق أكثر من مرة، شاب في الثلاثين من عمره، يتجول على غير هدى بين البسطات على مختلف أمكنتها وأحجامها ومحتواها، وكأنه يفتش عن شيء مفقود لا وجود له بالمطلق، وعبثُا يواصل رحلة البحث والاستقصاء.

مثله كثيرون يمشون في الشوارع بلا هدف وبلا وجهه محددة ولكن هذا التائه تحديدًا بنظراته المقهورة والمتعبة كغيره أوجع قلبي.

ولأن الحرب اللعينة أحرقت المدينة وأطفأت أرواحنا حفرت ملامحنا بتجاعيد القهر والعجز؛ فبدونا بألمنا المتفرد متشابهين على هيئة واحدة ونسخة مكربنة للبؤس والشقاء، حصريا لا تراها إلا هنا في خيام النازحين.

نظر إليّ هذا التائه بلوم واستنكار، حين سألت أحد الباعة عن سعر كيلو السكر.

وكأنه يتهم مجرد نيتي بالشراء أو فضولي المعرفي لمتابعة آخر تحديث لبورصة الأسعار؛ رغبة مني في قراءة الواقع المتغير في كل ثانية، هي السبب في رفع الأسعار المجنونة.

وأنا الثابتة المتجذرة في خيبتي منذ بدء الحرب لم أتحول عن موقفي الرافض لثانية لما حدث ولم يزل يحدث، وأنا من جعلت ذيول المحتكرين تطول وتتطاول حتى صادرت حقي في الاستفسار أو المساومة قبل الشراء وهذا الحق أسقط عني كباقي حقوقي التي سلبني اياها التاجر الكبير والتاجر الصغير والمورد ووزارة الاقتصاد والرؤوس الكبيرة والجيوب الصغيرة لصالح لصوص الحروب وعلى رأسهم احتلال سرق ونهب منا كل شيء وما زال يحركنا كتماثيل عمياء على رقعة شطرنج مات ملكها وفرسانها.

أشاح بعينه عني؛ ومن ثم نظر باحتقار إلى البائع الجشع كما يراه من وجهته يستغل حاجة النازحين ولا يقدر ظروفهم القاسية وانسحب من المشهد متمتما "حسبي الله ونعم الوكيل"

ولم يمهلني حتى أؤمن على دعائه "اللهم آمين يا رب العالمين"

ومن باب الانصاف للحقيقة، والتفكير بعقلانية أرى احتمالية لو واحد بالمئة أن هذا البائع طارئ على المشهد، لا يعرف بقوانين البيع والشراء وكان يمتهن عملًا مختلفًا حين ترك بيته ومصدر رزقه، وبفعل الحرب تواجد هنا في مكان لا يعرفه ولم تطأه قدمه من قبل

وقف خالي الوفاض إلا من بقايا كرامة ألزمته لكسب رزقه بالحلال ليطعم صغاره

لم يمهلني هذا التائه لأطبطب على جراحه:

يا بني لا تغضب ولا تعتب ولا تقهر روحك، والحق كما قال أسلافنا سابقا في الأمثال ونحن ما زلنا على نهجهم نقول اليوم وفي الغد بلا تزييف ولا رتوش " العاوز أهبل".

ونحن في خيام النزوح في عوز وضنك منذ فقدنا بيوتنا وعملنا وحياتنا، نفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وأنت الضحية الأولى وليس سواك من وقعت بين مطرقة حرب لعينة أحرقت أخضرك ويابسك، وسندان جشع تجار نهبوا منك قوت يومك.

وفي غياب القانون وانتشار الفوضى والفلتان الأمني لا رادع لهم فاستشروا وأكلوا لحمك نيئا،

الرفض رفاهية لا نملكها الآن والاختيار مستحيل عند انعدام البديل،

نحن مضطرون لشراء أقل القليل من الضروريات قدر استطاعتنا، حتى نسد الرمق ولا يموت صغارنا جوعا.

ونحن نقنع أنفسنا بالإكراه تارة وبالتحايل تارة أخرى واحيانًا نعلن بإيماننا المطلق بأننا المغلوبون على أمرنا، فلا ذنب علينا ولا عقاب يطولنا ولا عتب.

وأي حساب ينتظر من وقع رغم أنفه بين فكي كماشة.

سرت أنا على ديني أحمل همي وجعي ووجع المدينة بأسرها

وسار التائه منا على دربه ينوء بقهره وعجزه جاحدًا لدينهم

يا بني من قال أن الحرب لها دين

كضمت غيظي واخفيت مرغمة دمعتي وخوفي من غموض القادم وسواده.

لا ضوء يلوح بالأفق ولا سبيل للنجاة

آآآآآه لو تعلم يا بني بأن الحرب الحقيقية تأتي ما بعد الحرب.

#ماوراء_الحرب

#يسرا_الخطيب

مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2025-02-10

شارك